المقريزي
979
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ثم قام من بعده مكسيمانوس قيصر ، فاشتدّ على النصارى ، وقتل منهم خلقا كثيرا ، حتى كانت القتلى منهم تحمل على العجل ، وترمى في البحر « 1 » . ثم قام بعد أرشلاوس في بطركيّة الإسكندرية إسكندروس ، تلميذ بطرس الشّهيد ، فأقام ثلاثا وعشرين سنة ، ومات في ثاني عشرين برمودة . وفي بطركيته كان « مجمع النصارى بمدينة نيقية » ، وفي أيّامه كتب النصارى وغيرهم من أهل روميّة إلى قسطنطين - وكان على مدينة بزنطية - يحثّونه على أن ينقذهم من جور مكسيمانوس ، وشكوا إليه عتوّه ، فأجمع على المسير لذلك . وكانت أمّه هيلاني ، من أهل قرى مدينة الرّها ، قد تنصّرت على يد أسقف الرّها ، وتعلّمت الكتب . فلمّا مرّ بقريتها قسطس - صاحب شرطة دقلطيانوس - رآها فأعجبته ، فتزوّجها ، وحملها إلى بزنطية مدينته ، فولدت له قسطنطين ، وكان جميلا ، فأنذر دقلطيانوس منجّموه بأنّ هذا الغلام قسطنطين سيملك الرّوم ، ويبدّل دينهم ، فأراد قتله ، ففرّ منه إلى الرّها ، وتعلّم بها الحكمة اليونانية حتى مات دقلطيانوس ، فعاد إلى بزنطية ، فسلّمها له أبوه قسطس ومات « 2 » . فقام بأمرها ، بعد أبيه ، إلى أن استدعاه أهل روميّة ، فأخذ يدبّر في مسيره ، فرأى في منامه كواكب في السّماء على هيئة الصّليب ، وصوت من السّماء يقول له : « احمل هذه العلامة تنتصر على عدوّك » . فقصّ رؤياه على أعوانه ، وعمل شكل الصّليب على أعلامه وبنوده ، وسار لحرب مكسمانوس بروميّة ، فبرز إليه وحاربه ، فانتصر قسطنطين عليه ، وملك روميّة ، وتحوّل منها فجعل دار ملكه قسطنطينيّة . فكان هذا ابتداء رفع الصّليب وظهوره في الناس ، فاتّخذه النصارى من حينئذ ، وعظّموه حتى عبدوه « 3 » . وأكرم قسطنطين النصارى ، ودخل في دينهم بمدينة نيقومديا في السنة الثانية عشرة من ملكه على الرّوم ، وأمر ببناء الكنائس في جميع ممالكه ، وكسر الأصنام ، وهدم بيوتها .
--> ( 1 ) سعيد بن البطريق : التاريخ المجموع 1 : 118 . ( 2 ) نفسه 1 : 117 - 118 . ( 3 ) نفسه 1 : 121 ؛ المسعودي : مروج الذهب 2 : 43 ، ومصدر هذه الرّوايات هو يوسابيوس القيصري Eusebius ) ( of Caesarea : حياة قسطنطين العظيم ، تعريب القمص مرقس داود ، القاهرة - مكتبة المحبة 1975 ، 24 - 25 ؛ أوروسيوس ( Orosius ) : تاريخ العالم 460 . وراجع حول هذا الموضوع أيضا The Oxford Dictionary of Byzantium art . Cross , Cult of the I , pp . 551 - 53 .